قصة نبي الله نوح عليه السلام: رحلة الصبر واليقين الطويل
قصة نبي الله نوح عليه السلام: رحلة الصبر واليقين الطويلة
يعد نبي الله نوح عليه السلام أحد أولي العزم من الرسل، ويمثل نقطة تحول كبرى في تاريخ البشرية بعد آدم عليه السلام. بعث الله نوحاً إلى قومه بعد أن انحرفوا عن التوحيد وغرقوا في عبادة الأصنام. كان قوم نوح أول من ابتدع عبادة الأوثان في الأرض بعد أن وسوس لهم الشيطان بتقدير الصالحين بطريقة خاطئة. أرسل الله نوحاً برسالة واضحة تدعو إلى عبادة الله وحده واجتناب الطواغيت والأصنام. بدأ نوح عليه السلام دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة مستخدماً كل الأساليب الممكنة لإقناع قومه. كان يدعوهم في الليل والنهار دون كلل أو ملل رجاء هدايتهم. دعاهم في السر والعلن وخاطب عقولهم وقلوبهم لعلهم يستجيبون لدعوة الحق. سلك معهم طرق الترغيب والترهيب مبيناً لهم نعم الله العظيمة في الآفاق وفي أنفسهم. كان يذكرهم بخلق السموات والأرض وبسط الأرض وجعل الأنهار فيها سبلاً. ومع كل هذا الجهد العظيم، واجه قوم نوح دعوته بالصد والإعراض والاستكبار الشديد. كانوا يضعون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعون كلامه المبارك. واستغشوا ثيابهم تعبيراً عن رفضهم التام لرؤيته أو الاستماع إلى نصحه. وأصروا على كفرهم واستكبروا استكباراً كبيراً لا مثيل له في العناد.
لم يكتفِ كبراء القوم بالرفض بل بدؤوا في السخرية من نوح ومن اتبعه من الضعفاء والمساكين. قال الملأ من قومه إنهم لا يرونه إلا بشراً مثلهم ولا فضل له عليهم. واعتبروا أن أتباعه هم أراذل القوم وبسطاؤهم الذين اتبعوه ببادئ الرأي دون تفكير عميق. اتهموا نوحاً عليه السلام بالضلال المبكر والكذب والبحث عن الجاه والرئاسة بين الناس. رد عليهم نوح بكل أدب النبوة مؤكداً أنه ليس به ضلالة ولكنه رسول من رب العالمين. أوضح لهم أنه يبلغهم رسالات ربه وينصح لهم ويعلم من الله ما لا يعلمون. مكث نوح عليه السلام في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً متواصلة. وطوال هذه القرون الطويلة لم يؤمن معه إلا عدد قليل جداً من الناس. كان الأب يوصي ابنه إذا كبر ألا يؤمن بنوح وأن يستمر على عبادة الأصنام. فلما رأى نوح هذا العناد المستمر واليأس من إيمانهم، أوحى الله إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. عندئذ دعا نوح ربه دعوته الشهيرة ألا يذر على الأرض من الكافرين دياراً.
جاء الأمر الإلهي لنوح عليه السلام بصنع سفينة عظيمة لتكون وسيلة النجاة الوحيدة. أمره الله أن يصنعها بأعين الله ووحيه وتحت رعايته المباشرة وتوجيهه. بدأ نوح يجمع الأخشاب والأدوات ويبني السفينة في مكان بعيد عن البحار والأنهار. كان يمر عليه الملأ من قومه وهو يصنعها فيسخرون منه ومن صنيعه. قالوا له باستهزاء يا نوح صرت نجاراً بعد أن كنت نبياً تزعم الرسالة. وكانوا يتساءلون كيف لسفينة أن تجري على اليابس وفي الصحراء القاحلة دون ماء. رد عليهم نوح بيقين المؤمن إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون. وأكد لهم أنهم سوف يعلمون قريباً من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم. استمر نوح في بناء السفينة بدقة متناهية مستخدماً الألواح والدسر كما أمره ربه. حتى اكتمل بناء هذا الصرح العظيم وصارت السفينة جاهزة لأمر الله المرتقب.
وجاء الوعد الحق وفار التنور كعلامة على بدء العذاب والفيضان المدمر. أمر الله نوحاً أن يحمل في السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات والطيور لضمان استمرار الحياة. كما أمره أن يحمل أهله والمؤمنين الذين صدقوا رسالته وثبتوا على الحق. فتح الله أبواب السماء بماء منهمر بغزارة غير معهودة في تاريخ الأرض. وفجر الله الأرض عيوناً تتفجر بالمياه من كل مكان ليلتقي الماء على أمر قد قدر. وحملت السفينة نوحاً ومن معه تجري بهم في موج كالجبال العاتية. في تلك اللحظات العصيبة رأى نوح ابنه وكان في معزل عن المؤمنين. ناداه نوح بقلب الأب الشفيق يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين. رد الابن بغرور وكبر سآوي إلى جبل يعصمني من الماء والفيضان. قال له نوح لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحفظه الله. وحال بينهما الموج سريعا فكان الابن من المغرقين الهالكين. ونادى نوح ربه مستفسراً عن وعد الله بنجاة أهله. فأجابه الله إن ابنه ليس من أهله لأنه عمل غير صالح وخالف التوحيد. فاستغفر نوح ربه وأناب خاضعاً لحكم الله المبرم وعدالته المطلقة.
بعد أن أهلك الله الكافرين وطهر الأرض من رجسهم، جاء الأمر الإلهي بانتهاء الفيضان. قيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وامسكي عن المطر. وغيض الماء تماماً واستقرت السفينة المباركة على جبل الجودي. وقيل بعداً للقوم الظالمين الذين كذبوا بآيات الله العظام. هبط نوح ومن معه بسلام وبركات من الله ونشأت البشرية من جديد من ذريته. لذلك يسمى نوح عليه السلام بالأب الثاني للبشرية لأن الناس كلهم من نسله. إن قصة نوح تعلم البشرية دروساً بالغة في الصبر الجميل والتوكل الصادق على الله. وتؤكد أن العاقبة دائماً للمتقين وأن الباطل مهما علا واستكبر فإن نهايته الهلاك المحتوم.

تعليقات
إرسال تعليق